جلال الدين السيوطي

19

معترك الاقران في اعجاز القرآن

وتلمّحت طائفة ما فيه من قصص القرون السابقة والأمم الخالية ، ونقلوا أخبارهم . ودوّنوا آثارهم ووقائعهم حتى ذكروا بدء الدنيا وأول الأشياء ، وسموا ذلك بالتاريخ والقصص . وتنبه آخرون لما فيه من الحكم والأمثال والمواعظ التي تقلقل قلوب الرجال ، وتكاد تدكدك الجبال ؛ فاستنبطوا مما فيه من الوعد والوعيد ، والتحذير والتبشير ، وذكر الموت والمعاد ، والنشر والحشر ، والحساب والعقاب ، والجنة والنار ، فصولا من المواعظ ، وأصولا من الزواجر ؛ فسموا بذلك الخطباء والوعاظ . واستنبط قوم مما فيه من أصول التعبير مثل ما ورد في قصة يوسف في البقرات السّمان ، وفي منامي صاحبي السجن ، وفي رؤياه الشمس والقمر والنجوم ساجدة ؛ وسموه تعبير الرؤيا ؛ واستنبطوا تفسير كل رؤيا من الكتاب « 1 » ؛ فإن عزّ عليهم إخراجها منه فمن السنة التي هي شارحة للكتاب ، فإن عسر فمن الحكم والأمثال ، ثم نظروا إلى اصطلاح « 2 » العوام في مخاطباتهم وعرف عاداتهم الذي أشار إليه القرآن بقوله « 3 » : « وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ » . وأخذ قوم ما في آية المواريث من ذكر السّهام وأربابها وغير ذلك ، وسموه علم الفرائض ، واستنبطوا منها من ذكر النصف والثلث والربع والسدس والثّمن حساب الفرائض ومسائل العول ، واستخرجوا منه أحكام الوصايا . ونظر قوم إلى ما فيه من الآيات الدالة على الحكم الباهرة ، في الليل والنهار ، والشمس والقمر ومنازله ، والنجوم والبروج ، وغير ذلك ؛ فاستخرجوا منه علم المواقيت .

--> ( 1 ) في ب : الكتب . ( 2 ) في ا : إصلاح . ( 3 ) الأعراف : 199